مقال رأي| تراجع الذهب بنحو 7%.. هل ينبغي أن يقلق المستثمر طويل الأجل؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة- AFP

استمع للمقال
Play

ميشال صليبي

 

كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro


قد يثير تراجع الذهب بنحو 7% خلال فترة شهر قلق المستثمرين، خصوصاً بعد فترة من المكاسب القوية. لكن حركة شهر واحد لا تكفي وحدها لتحديد ما إذا كان ينبغي البيع أو الاحتفاظ.

الأهم هو فهم العوامل التي ضغطت على السعر، ومقارنتها بما لا يزال يدعم الطلب على الذهب، ثم مراجعة مدى توافق الاستثمار مع أهداف المستثمر وأفقه الزمني.

ما أسباب تراجع الذهب؟

ارتفاع العوائد الأميركية وقوة الدولار ضغطا على الذهب

لأن الذهب لا يدرّ فائدة، يصبح أقل جاذبية نسبياً عندما ترتفع عوائد السندات. كما أن صعود الدولار يجعل الذهب، المسعّر به، أعلى تكلفة على المشترين بعملات أخرى. وخلال سبتمبر، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو 53 نقطة أساس إلى 5.3%، وصعد مؤشر الدولار بنحو 2%، ما أسهم في الضغط على أسعار الذهب ودفعها إلى أدنى مستوى لها في شهرين
توقعات الفدرالي والتضخم أبقتا احتمال تشديد السياسة النقدية قائماً.

ظهر محضر اجتماع الفدرالي في سبتمبر، أن التضخم ما زال مرتفعاً، وأن معظم المشاركين رأوا أن رفعاً آخر للفائدة قد يكون مناسباً قبل نهاية العام، مع ربط أي قرار جديد بالبيانات المقبلة. وكان الفدرالي قد رفع الفائدة ربع نقطة مئوية في سبتمبر. وأشار المحضر إلى ضغوط محتملة من ارتفاع أسعار الطاقة والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقد ساعدت هذه التوقعات على دعم الدولار والعوائد، ما ضغط على الذهب.

تصفية المراكز وجني الأرباح زادا من حدة التراجع

 فالذهب لا يتحرك بفعل مشتريات السبائك والصناديق وحدها؛ إذ يمكن لتقليص المراكز في العقود الآجلة أو جني الأرباح بعد موجة صعود أن يضيفا ضغط بيع سريعاً. ووفق مجلس الذهب العالمي، تراجعت مراكز المستثمرين المُدارة في عقود كومكس خلال سبتمبر، رغم استمرار التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة.

ما العوامل التي قد تدعم الذهب؟

رغم انخفاض السعر، لم يتراجع الطلب لدى جميع المستثمرين. فقد اجتذبت صناديق الذهب المتداولة عالمياً تدفقات بقيمة 10 مليارات دولار في سبتمبر، وزادت حيازاتها بنحو 67 طناً إلى مستوى قياسي. وفي الوقت نفسه، تقلصت بعض مراكز العقود الآجلة. ويعكس هذا التباين اختلاف أهداف المستثمرين وآفاقهم الزمنية؛ لكنه لا يضمن تعافي الأسعار.

كما يوفّر استمرار مشتريات البنوك المركزية مصدراً مهماً للطلب. فقد واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب في سبتمبر. ولا يعني ذلك أن السعر لن ينخفض، لكنه يشير إلى أن الطلب الرسمي لم يختفِ مع التراجع.

وقد تعزز المخاوف المالية في فرنسا جاذبية الذهب لدى بعض المستثمرين كأداة لتنويع المحافظ والتحوّط من عدم اليقين. يبلغ الدين العام الفرنسي نحو 119% من الناتج المحلي، وتحتاج الحكومة إلى تمويل يقارب 340 مليار يورو في 2027. كما اتسع فارق عائد السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 1.4 نقطة مئوية، مع اقتراب العائد الفرنسي لأجل عشر سنوات من 4.9%، ما يعكس قلق المستثمرين بشأن المالية العامة الفرنسية.

هذه المخاوف قد تدفع بعض المستثمرين إلى البحث عن أصول تساعدهم على تنويع محافظهم. لكن أثرها على الذهب ليس آلياً: فتراجع اليورو بسبب القلق بشأن فرنسا قد يدعم الدولار، وقوة الدولار وارتفاع العوائد قد يضغطان على سعر الذهب المقوّم به.

كيف يتعامل المستثمر طويل الأجل مع التراجع؟

الاستثمار طويل الأجل لا يعني الاحتفاظ بالذهب مهما حدث، ولا شراء المزيد تلقائياً بعد كل انخفاض. يبدأ النهج العملي بتحديد سبب امتلاك الذهب: هل الهدف تنويع المحفظة، أم التحوّط من مخاطر معينة، أم المضاربة على ارتفاع السعر؟ إذا بقي الهدف قائماً ولم تتغير الاحتياجات المالية للمستثمر، فقد لا يكون تراجع شهر واحد وحده سبباً كافياً لتغيير الخطة.

بعد ذلك، يحدد المستثمر حجماً مناسباً للذهب ويتفق مسبقاً على موعد مراجعة هذا الحجم . فاذا كانت قيمة المحفظة 100 ألف دولار، واختار المستثمر تخصيص 10% منها للذهب، فسيكون المبلغ المستهدف 10 آلاف دولار. وإذا انخفض سعر الذهب 7% وبقيت بقية الأصول مستقرة، تصبح قيمة الذهب 9,300 دولار، أي نحو 9.4% من المحفظة. فإذا كان نطاقه المقبول بين 9% و11%، فقد لا يرى حاجة إلى التحرك بعد هذا التراجع. أما إذا خرج وزن الذهب عن النطاق الذي حدده، فيمكنه مراجعة خطته والنظر في إعادة موازنة المحفظة.



ومن المفيد وضع قواعد مراجعة مسبقة بدلاً من اتخاذ قرار مع كل حركة سعرية. يمكن للمستثمر أن يسأل: هل ما زال الذهب يؤدي الدور الذي اشتريته من أجله؟ هل تغيرت احتياجاتي النقدية أو قدرتي على تحمّل المخاطر؟ هل تغيّرت العوامل التي بنيت عليها قراري، أم أن السعر وحده هو الذي تحرك؟ تساعد هذه الأسئلة على التمييز بين تراجع السعر وتغيّر مبررات الاستثمار.

هل يناسب الشراء على دفعات؟

قد يناسب الشراء على دفعات، أو متوسط التكلفة بالدولار (DCA)، المستثمر الذي يضيف أموالاً جديدة بانتظام. يحدد مبلغاً وجدولاً مسبقاً، ثم يشتري في المواعيد المحددة بدلاً من محاولة تخمين القاع. فالمبلغ الثابت يشتري كمية أكبر عندما يكون السعر أقل، وكمية أصغر عندما يكون أعلى. وقد يساعد هذا الأسلوب على تقليل أثر توقيت الدخول والانفعالات، لكنه لا يمنع الخسائر ولا يضمن الحصول على متوسط شراء أقل.

ومن المهم التمييز بين استثمار أموال جديدة دورياً وبين توزيع مبلغ كامل متاح على عدة أشهر. في الحالة الأولى، يشتري المستثمر بما يدخره مع الوقت. أما في الثانية، فيبقى جزء من المبلغ نقداً خلال فترة الشراء التدريجي، ما قد يقلل أثر الدخول في توقيت غير مناسب، لكنه قد يحد من المكاسب إذا ارتفع السعر خلال تلك الفترة. ووجدت دراسة لـVanguard، قارنت الاستثمار التدريجي بالاستثمار الفوري في الأسهم والسندات، أن الاستثمار الفوري تفوّق تاريخياً في نحو ثلثي الحالات التي درستها. لكن هذه النتيجة لا تخص الذهب ولا تحسم الخيار الأنسب لكل مستثمر.

لذلك, إذا اختار المستثمر الشراء على دفعات، فمن الأفضل أن يحدد المبلغ والمدة والجدول مسبقاً، بدلاً من زيادة المشتريات عشوائياً كلما انخفض السعر. كما ينبغي احتساب تكاليف الأداة المستخدمة: فالذهب المادي قد يتضمن فروقاً بين سعري الشراء والبيع وتكاليف تخزين، بينما تختلف الصناديق والأدوات المالية في رسومها وسيولتها. وقد تزيد هذه التكاليف مع تكرار المعاملات.

وأخيراً، يجب أن تتناسب الأداة مع الأفق الزمني. فالرافعة المالية على سبيل المثال  قد تجبر المستثمر على إغلاق مركزه بسبب نداءات الهامش حتى لو لم تتغير أسباب امتلاكه للذهب. كما أن الأموال التي قد يحتاج إليها قريباً لا تناسب عادةً استثماراً معرضاً لتقلبات سعرية كبيرة.

القرار يتجاوز حركة شهر واحد

تراجع الذهب بنحو 7% خلال الفترة المعروضة يستحق المتابعة، لكنه لا يعني تلقائياً أن المستثمر طويل الأجل ينبغي أن يقلق أو يبيع. فقد ضغط على الأسعار ارتفاع العوائد وقوة الدولار وتصفية بعض مراكز العقود الآجلة، بينما استمرت تدفقات صناديق الذهب ومشتريات البنوك المركزية في دعم الطلب.

النهج الأكثر اتزاناً هو ربط القرار بهدف الاستثمار، وتحديد وزن مناسب للذهب، ووضع قواعد واضحة للمراجعة وإعادة الموازنة. وقد يساعد الشراء على دفعات المستثمر على الالتزام بالخطة، لكنه ليس ضماناً لتجنب الخسائر أو لشراء الذهب بأفضل سعر. المهم أن تكون الاستراتيجية مفهومة وقابلة للاستمرار حتى عندما يتحرك السعر في الاتجاه المعاكس.

 



المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة